قد يبدو من الوهلة الأولى أن المشير عبدالفتاح السيسي هو
الأقرب للفوز برئاسة الجمهمورية في أي انتخابات رئاسية يكون طرفا فيها، لكن التحليل
الموضوعي للمعلومات، ونتائج الانتخابات والاستفتاءات السابقة في مصر، وتوزيع الكتل
التصويتية، يشير بقوة إلى عكس ذلك تماما.. فالمشير يخسر بجدارة إذا ما واجه خصما
متوسط الحضور، والموهبة.. ربما يقترب من المنافسة إذا ما تدخلت قوى خفية لدعمه كما
حدث مع قائده السابق الفريق أحمد شفيق، في انتخابات الإعادة لرئاسة الجمهورية 2012،
أمام مرشح احتياطي لجماعة الإخوان.. وهي الجولة التي شهدت ارتفاع عدد الأصوات
الصحيحة بنحو 2 مليون صوت، هي بالضبط نصف الفارق بين مجموع الأصوات التي حصل عليها
هو وعمرو موسى في الجولة الأولى"7 ملايين و800 ألف صوت "، وبين عدد
الأصوات التي احتسبت له في الجولة الثانية "نحو 12 مليون صوت"، بينما
حصل الدكتور محمد مرسى في الإعادة على مجموع الأصوات التي حصل عليها في الجولة
الأولى مضافا إليها أصوات عبدالمنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي، أو من كانوا يطلقون
على أنفسهم مرشحي ثورة 25 يناير "13
مليون صوت"..
فوز المشير
السيسي في انتخابات رئاسية نزيهة، وفقا للمعلومات الصحيحة هو الوهم عينه، أو
السراب للعطشان والتائه، أو هو ما يريده المخادعون، وما يظنه المخدوعون، فالسيد
المشير هو أقرب الناس للخسارة في أي انتخابات لا يتدخل فيها موظفون وإداريون، أو
لا تشهد عمليات تفتيت أصوات كما حدث في الرئاسية الأولى، والغريب ألا يدرك هو ذلك،
وهو من تمرن على توقع السيناريوهات المختلفة، والمتعارضة، وإدراك الدوافع الخفية،
وحساب التوقعات.
علينا فقط أن نتأمل العناصر المكونة للناخبين في مصر..
بداية من شريحة الشباب، ممن يحلمون بوطن لا تحكمه أجهزة الأمن، ينعمون فيه بحرية
الرأي، والحق في العمل، وهؤلاء لا يؤيدون حاكما عسكريا يسلط أجهزة الأمن عليهم،
ويتركها تعيث في البلاد فسادا، وتنكيلا بالعباد كما يفعل رجال الشرطة الآن في كل
أركان المحروسة منذ تولي سيادته منصب وزير الدفاع، والنائب الأول لرئيس مجلس
الوزراء، وتفويضه شعبيا في محاربة الإرهاب المحتمل، أو بعبارة أدق، في محاربة
الوهم الذي باعوه، ويبيعونه لنا، ونحاول أن نصدقه، لكن المثل الشعبي "كذب
مساوي ولا صدق ملعبك" يؤكد لنا يوما بعد يوم، ان بضاعتهم ليست سوى شيئ
"ملعبك" لا هو كذب ولا صدق، ندفع ثمنه من دماء أشقائنا، وأصدقائنا،
وأطفالنا، وكلهم أبرياء، ولا ذنب لهم، إلا تبرير الحرب على "شيئ محتمل"
لا يعرفه المتحدث، ولا المستمع، ويدبر له أعداء الاثنين..
عادت الشرطة إلى سابق عهدها، وإلى ممارسات أشد سوءا مما
كانت عليه قبل 25 يناير، وزادت كثافة عمليات غسيل المخ التي تمارسها أجهزة الإعلام الحكومية، والخاصة
"المملوكة لرجال أعمال دولة مبارك، وإن ادعوا غير ذلك في حوارات مطولة مع
خريجي مدرسة صفوت الشريف من مذيعين وضيوف في الوقت ذاته".
هؤلاء الشباب لن تذهب أصواتهم إلى السيد المشير، خصوصا
الشريحة المتعلمة، أو المدركة لحقيقة مطالبها، ولاستحقاقات الثورة على نظام مبارك
وعائلته.. ربما يحصل على أصوات أنصاف المتعلمين، أو غالبية الأميين منهم، إلا أن
هؤلاء عددهم ليس بالكبير قياسا إلى عدد الأصوات الشابة لسوء حظه.
نأتي إلى قوى الإسلام السياسي، أو التيارات اليمينية
بكافة أطيافها، وهذه بالتأكيد لن تعط صوتا لسيادة المشير، وهي شئنا أم أبينا كتلة
تصويتة ذات ثقل كبير، رغم ما تتعرض له من تصفيات شبه يومية، لا تقل عن 10 ملايين
صوت، بما فيها بواقي الإخوان، والجهاديين، والسلفيين، وإن قال نجوم الفضائيات منهم
غير ذلك.. وهم حاصل جمع الأصوات التي حصل عليها مرسي وأبو الفتوح في المرحلة
الأولى من رئاسية 2012، "بما فيها بعض قوى اليسار الرافضة كليا للحكم
العسكري".
لدينا أيضا فريق "الناصريين" وهؤلاء أقرب
للانقسام، تماما كطبيعة التيار، لكنهم في الغالب ينقسمون مناصفة بين تأييد السيسي
وحمدين صباحي، لا ثالث لهما، وهؤلاء لو اعتبرناهم هم من أعطوا أصواتهم لصباحي في
الجولة الأولى، وهو غير دقيق، لكان نصيب سيادة المشير منهم لا يتعدى المليوني
صوت.. يحصل منافسه على مثلها.
يبقى لدينا فريق حزب الكنبة، وهؤلاء لا يتحركون من
مقاعدهم إلا للشديد القوي، والاستحقاقات الانتخابية السابقة تقول أن من يتحمسون
منهم لا يزيدون بحال من الأحوال، عن بضعة ملايين لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة،
فعلى سبيل المثال كان إجمالي المصوتين في الانتخابات الرئاسية الأولى 23 مليونا،
زادوا إلى 25 في الإعادة، ولنقل أن هذه الزيادة جاءت من حزب الكنبة الذي تحرك
لتأييد الفريق أحمد شفيق، فهم 2 مليون صوت.
وإن نظرنا إلى الاستفتاء على دستور 2014، الذي خرج فيه
هؤلاء بكثافة، وقاطعه الإخوان "نحو 5 ملايين"، فإن عدد الذين صوتوا بنعم
على هذا الدستور كان حوالي 19 مليون مواطن و985 ألف، لنقل أنهم 20 مليونا، أي أقل
ممن شاركوا في الانتخابات الرئاسية بنفس التقدير الرسمي لأعداد منتسبي جماعة
الإخوان، بما يعني أن هذه المشاركة المكثفة لمنتسبي حزب الكنبة لا تتجاوز نفس
الرقم الذي تحرك لتأييد شفيق "نحو 4 ملايين"، مع الأخذ في الحسبان أن نسبة كبيرة من الشباب أيضا
قد قاطعت ذلك الاستفتاء.
يبقى للسيد المشير، جماعة "أسفين ياريس"،
وأبناء مبارك، والغريب أن يتصور سيادة المشير أنهم يؤيدونه، أو يريدونه رئيسا، وهو
رئيس جهاز المخابرات الحربية الذي ساهم في إجهاض مخطط توريث الحكم لجمال مبارك.. وزج بولي نعمتهم خلف جدران
السجون، وفي أقفاص الاتهام.. الغريب ألا
يدرك كم الكراهية التي يضمرونها له، ولرفاقه من قيادات القوات المسلحة التي انتصرت
للإرادة الشعبية ضدهم، والشرك الذي ينصبونه له لاصطياده خارج الزي العسكري.. فالمؤكد أن أنصار السيد جمال مبارك لا يطيقونه، ويرون
فيه عدوهم الأول، وإن أظهروا له غير ذلك، وإن صدقهم، فالأغبياء وحدهم ينخدعون في
ما يظهره العدو من خضوع بعد هزيمته.
أما المهم فهو أن
هؤلاء لا تزيد أعدادهم عن بضعة آلاف، لا تصل إلى المائة، يكتسبون وجودهم من تعاطف
أفراد حزب الكنبة المستسلم لعمليات أجهزة الإعلام
التي يسيطرون عليها.. لكنهم يتسببون يوميا في خسارته لعدد غير بسيط من
المتحمسين، والمؤيدين والأنصار.
حصيلة سيادة المشير الحقيقية إذن عبارة عن نحو مليوني
صوت من الشباب الأمي وانصاف المتعلمين، ومثلها
أو أقل من الناصريين والقوميين، وضعفها من فلول الحزب الوطني، وحزب الكنبة
معا.. وكلها لا تزيد على 8 ملايين صوت في أفضل التقديرات.
والمرجح أن تقل هذه الأعداد مع توالي خسائر المشير، التي
يساهم بيديه في تناميها، منذ اليوم التالي لانتصار الثالث من يوليو، خصوصا بين
صفوف الشباب.. بداية من حضوره ومشاركته في قصة اللواء إبراهيم عبدالعاطي، لعلاج
فيروسي الإيدز والكبد الوبائي، والتي يدرك الجميع أنها لن تسفر عن شيئ ذي قيمة..
مرورا بالحضور المكثف لكل رجال مبارك في المشهد السياسي والإعلامي، والتنكيل
الإعلامي بكل صوت يتحدث عن الديموقراطية، أو باحث عن مساحة للحرية في مصر، والتي
وصلت إلى مطاردة الناشطين على مواقع التواصل الإجتماعي، وإلقاء القبض على أطفال
بتهمة التظاهر، أو الانتماء لجماعة إرهابية، وعدم الإفراج عنهم رغم أنف القانون، وليس
نهاية بالمشاركة في تكليف المهندس إبراهيم محلب، مهندس فلل وقصور آل مبارك، وعضو
لجنة سياسات جمال مبارك، برئاسة مجلس الوزراء.
أرقام مهمة:
_ عدد المصوتين على دستور 2012 وغالبيتهم من التيارات
الدينية 16 مليونا و755 ألف صوت، منهم 10 مليون و693 ألفا قالوا نعم، و6 ملايين
قالوا لا.
- عدد المصوتين بنعم على دستور 2014، حوالي 19 مليون
و985 ألف مواطن.
- عدد الأصوات التي حصل عليها الدكتور محمد مرسي في
الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية 5 ملايين و764 ألف صوت، فيما حصل حمدين صباحي
على 4 ملايين و800 ألف،.و عبدالمنعم أبوالفتوح على 4 ملايين، بينما حصل الفريق
أحمد شفيق على 5 ملايين و500 ألف، وعمرو موسى على 2 مليون و288 ألف، وكان عدد
المصوتين 23 مليون و672 ألفا.
- في جولة الإعادة حصل مرسي على 13 مليون صوت، هي مجموع
أصواته مضاف إليها حمدين وأبوالفتوح، وحصل شفيق على 12 مليونا، بينما زاد عدد
المصوتين إلى 25 مليونا و577 ألفا، بزيادة تقترب من 2 مليون صوت رغم ارتفاع نسبة
إعلان المقاطعة من شرائح كثيرة لجولة الإعادة بسبب رفض المتنافسين فيها.
عبدالوهاب داود

تعليقات